المدونات

ولنبلونّكم بشيء!

فريق عمران 26 يونيو 2024 3 دقائق قراءة 37 مشاهدة

هناك فرق بين أن تقع عليك المصيبة، وأن يقع عليك البلاء، فالمصيبة ما ينزل بالإنسان من شرّ، وهي حادثة واحدة تكون كبيرة أو صغيرة؛ وأما البلاء فهو تتابع المصائب واتصالُها حتى يتسبب ذلك في بِلَى الجسد بالمرض والهزال، وبلاء الروح بالغمّ والهمّ، فكأنّ المرء يَبْلَى ويتهرَّى من كثرة الحوادث وشدّتها كما يَبْلَى الثوب ويَخْلَق مع كثرة الاستعمال والامتهان.

هناك فرق بين أن تقع عليك المصيبة، وأن يقع عليك البلاء، فالمصيبة ما ينزل بالإنسان من شرّ، وهي حادثة واحدة تكون كبيرة أو صغيرة؛ وأما البلاء فهو تتابع المصائب واتصالُها حتى يتسبب ذلك في بِلَى الجسد بالمرض والهزال، وبلاء الروح بالغمّ والهمّ، فكأنّ المرء يَبْلَى ويتهرَّى من كثرة الحوادث وشدّتها كما يَبْلَى الثوب ويَخْلَق مع كثرة الاستعمال والامتهان.

ومن هنا جاء معنى الامتحان والاختبار في دلالة الابتلاء بالشدائد، إذ يظل المرء محبوساً على وضع شديد لا يستطيع الخروج منه، ويتعرّض فيه لأنواع الاختبارات وقياس قوّة التحمّل حتى يكاد المرء يَبْلَى من كثرة هذه الاختبارات وشدّتها.

والعجيب أن القرآن يجعل العلم وتبيّن حال المرء والمجتمع من لوازم البلاء الذي يقضيه على عباده لإظهار معدنين كريمين هما الجـــهـاد والصبر: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ).

وعندما ينجح المرء والمجتمع في فهم هذا الأمر وتتساوَى المصائب عنده، ويعتادها وإن كان ذلك برهَقٍ وكبد شديد فإن استعداد هذا المرء سيكون أعلى لقبول التكليف الأشدّ في أمر يدبّره الله ويوفّق إليه على عينٍ منه وإرشاد، وسيتسامَى بشكل يختلف عن الآخرين.

والشعور الناتج عن الابتلاء باعتياد المصائب هو استشعار لِما وراء هذه المصائب وفتح النظر لمقارنتها ببعضها وإدراك حقائقها، فعندما ترى مصيبة جارك هنا وجارك هناك وتقيسها بمصيبتك كل يوم، وترى الفوارق، فإنك عمليّاً ستتحوّل إلى كيان صُلب، وسيتحوّل من بدأ يدرك ذلك إلى فرد في مجتمع حديديّ.

وإذا تأملتَ أيها الناجح في هذا الاختبار فستدرك حقيقةً يقينيّة أوضحها القرآن لكَ خاصّة، لأنّك أكثر من سيفهمها، وذلك أنك وطّنت نفسك حينها على تقبّل البلاء وإدارة احتماله: (ولَنبلونكم بشيءٍ مِنَ الخوفِ والجوعِ، ونقصٍ مِنَ الأَموالِ والأَنفسِ والثمراتِ، وبشّرِ الصابرينَ الذينَ إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا: إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعونَ).

عندما تقرأ هذه الآية ستدرك أيها الناجح أن الله العظيم هو الذي قدّر هذا البلاء "ولنبلونكم" وأقسم الله على ذلك بصيغة الجمع المعظّمة، وأن ما أصابك به هو "شيء" حقير قليل هيّن في حقيقته، وأن سبب تهويلك له هو أنك لم تختبره بالاعتياد ولم تألفه، وأن ما يصيبك من شدة البلاء بغريزة الخوف أو المجاعة أو الجوائح التي تضرب كل شيء عندك وتنقصه وتذهب به، هو في حقيقته "شيء" من الأشياء ذهبَ بإرادة الله، وأنّك لو اختبرتَ الأشياء الأخرى التي يمكن أن يقضيها عليك الله فستعرف أنّك لم تُصَب بشيء، وأنّ ما نزل بك ليس بعقوبة كما حدث لغيرك: ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ).

 ولأنّ هذا الامتحان صعب وفريد فإن الناجح فيه يستحق البشارة: (وبشّر الصابرين)، فقد نجحتَ في التدريب الإلهيّ، وغدوتَ منيعاً مطبوعاً بالقوّة، وأصبحتَ قادراً على تجاوز المألوف والخروج من التلبّس بالعوارض الصارفة الشاغلة من الوهم والجبن والخرافة والتردّد...، وأصبحتَ تدرك حقيقة مَن أنتَ، وما الذي ينبغي أن تكون عليه، وما الذي يجب عليك أن تعمله وتقصد إليه. 

الوسوم

القران الكريم الإيمان غزة البلاء الخوف طوفان الأقصى الجوع
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.