المدونات

لماذا جباليا؟

فريق عمران 20 أكتوبر 2024 3 دقائق قراءة 32 مشاهدة

وبالنظر إلى الخريطة في جغرافيا غزة؛ لا يمكن أن يكون التهجير في خطوته الأولى إلا من الشمال إلى الوسط أو الجنوب، إذ لا يمكن أن يكون من الشرق نحو البحر غربًا، ولا يمكن أن يكون من الجنوب نحو الحدود الزائلة شمالًا... فليس هناك أي مخرج لتهجير أهل غزة في الخطة البديلة إلا تهجير سكان الشمال.

"لماذا جباليا؟" قد لا يدرك كثير من الناس الإجابة على هذا السؤال الآن ولا يدركون خطورته بالتفصيل. سأجيب عنه في هذا المقال حتى نكون كلنا في سياق اللحظة التاريخية.

لما نتحدث عن المشروع الصهيوأمريكي التوسعي في منطقة الشرق الأوسط، فإن غزة بالتحديد هي الشوكة الأكثر إيلامًا في هذا المشروع ككل، وصمودها هو الذي يضاعف كلفة دولة الاحتلال ويؤخر المشروع، بل يعرضه للخطر الوجودي. فالسؤال الذي كان مطروحًا قبل السابع من أكتوبر: كيف يمكن تجاوز غزة إلى ما بعدها؟ أو كيف نحمي ظهرنا من غزة حين نبدأ في تصفية الضفة؟ ولم تكن مطلقًا فكرة أن تبادر غزة بالهجوم مطروحة، فالقوم يخططون على أساس أنه تم تحييدها إلا من بعض الرشقات الصاروخية التي قد نجد لها حلًا بالاعتراضات أولًا وبالاجتياح المحدود ثانيًا... لكن لب المشروع كان في الضفة.

لما انطلق الطوفان، اختلطت كل أوراق الكيان وأصابه الشلل تمامًا وانقلبت المعادلة، واستدعى الأمر قيادة أمريكية مباشرة لترميم ما يمكن ترميمه. لكن تم الاستعاضة عن الضفة بغزة، وتحول مشروع تهجير أهل الضفة أولًا إلى تهجير أهل غزة أولًا.

وبالنظر إلى الخريطة في جغرافيا غزة؛ لا يمكن أن يكون التهجير في خطوته الأولى إلا من الشمال إلى الوسط أو الجنوب، إذ لا يمكن أن يكون من الشرق نحو البحر غربًا، ولا يمكن أن يكون من الجنوب نحو الحدود الزائلة شمالًا... فليس هناك أي مخرج لتهجير أهل غزة في الخطة البديلة إلا تهجير سكان الشمال.

الأمر ليس بتلك البساطة، فلقد استدعى مواجهة عنيفة مع المقاومة في الشمال ومحاولة تحييدها حتى يتم التهجير بيسر وسهولة. فاكتشف الكيان أن القصف والعمليات النوعية خلف الخطوط الشرقية لحدوده تأتيه من كافة الحدود مع القطاع وليس من الشمال فقط... بل يمكن لصواريخ خانيونس الوصول إلى ما هو أبعد من تل أبيب.

فكان لا بد من تأجيل الحديث عن التهجير والدخول في حرب مفتوحة مع كافة الكتائب لتحييد القصف الصاروخي بالكلية، ثم عزل الشمال عن بقية القطاع بمحور نيتساريم، والانطلاق في مشروع التهجير القسري بالقتل العشوائي عقابًا لأهل الشمال، الذين بصمودهم صمدت المقاومة في الشمال، وبصمود المقاومة في الشمال صمدت كل غزة في وجه المخطط الصهيوني بتهجيرهم جميعًا إلى خارج القطاع، ومن ثم التفرغ للضفة... ولبنان.

اليوم، هذا العنف المنفلت هو الغضب الصهيوني المنفلت الذي يشعر بأن كل مخططاته متوقفة على صمود أهل الشمال. وصمودهم الأسطوري هناك فيه دفاع عن غزة، وعن فلسطين، وعن الأردن، وعن مصر، وبالطبع عن بقية العالم حتى لا تقوم حرب عالمية ثالثة لا تبقي ولا تذر.

لقد قلت من أول أيام الحرب: إن أطهر مكان على وجه الأرض اليوم هو بيت حانون، والعطاطرة، وبيت لاهيا، وجباليا، وكل شمال القطاع.

لكن جباليا بمخيمها ومعسكرها، وبجباليا البلد، هي القلب النابض في الشمال ككل من حيث التاريخ الخرافي، ومن حيث عدد السكان، ومن حيث الكتلة الأكثر تمسكًا بالأرض ووعيًا بطبيعة الصراع ومآلاته على القطاع وفلسطين والعرب والمسلمين والبشرية جمعاء.

أيها الناس، إن دعم صمود أهل الشمال وجباليا بالتحديد مهمة أقدس من كل العبادات اليوم، وأنبل من كل الأخلاق، وأطهر من كل الطهر، وأوجب من كل الواجبات...ليس لأن فيها أناسًا يموتون بالتقتيل والتهجير القسري، بل لأنها حائط صد... إذا انهَدّ سيجرف معه دماء بالملايين. فهل من مُعتبر؟

الوسوم

الكيان الصهيوني طوفان الأقصى قطاع غزة جباليا
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.