المدونات

كيف ينصرُ اللهُ عبادَه بالغيب!

فريق عمران 5 نوفمبر 2025 3 دقائق قراءة 11 مشاهدة

لا يظنّنّ أحدُنا أن النصر هو الغلبة والقهر والظفر، فالنصرُ معنى غيبيّ في حقيقته، وهو إسنادٌ مفتوحٌ من الله تعالى، وفرصٌ للتحرك للأمام، وتهيئةٌ لبيئة عمل أفضل، وزيادة لقدراتك، وتعظيمٌ لتأثيرك، فتنفتح لك فضاءات أكبر كلما تقدّمت بحزم وإصرار وثبات، بينما تتراجع حظوظ تقدمك إذا ضعفتَ، وانسحبتَ، واختفيت بين شقوق الظلال طلباً للسلامة الزائفة المؤقتة.

وقفتُ مليّاً أتدبّر قوله سبحانه: (وليعلم الله مَن ينصرُه ورسلَه بالغيب)، وتفكّرت في دلالة "الغيب" في هذا الموضع العجيب، فخطرت لي هذه المعاني:
من معاني هذا الغيب أن الله تعالى يضع عباده مجدداً أمام اختبار إيمانهم إذا دخلوا محنة، وقاتلوا أشد القتال، ثم لم يظهر لهم النصرُ المبين الواضح؛ فنحن نعلم أنّ أيّ بلاء شديد يعقبه تفكّكٌ في البنى الاجتماعية السائدة وتغيير حادّ فيها، وهو امتحان اجتماعيّ ينظر فيه الله إلى كيفية استيعاب هذا الجيل الذي خضع للتجربة الصعبة كيف سيتعاملون مع أنفسهم ومجتمعهم وعدوّهم، وكيف سيصبرون على هذا التغيير، وهل سيثبتون، وهل سيستطيعون شكر الله عقب هذا البلاء الذي استنزفهم، وسيستطيعون تأسيس برامج تبني على تجربتهم، (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب)، وهذه من دقائق التشريع الكونيّ الإلهي في نظام المجتمعات البشرية.

الغيب هنا يعني الالتزام بنصرة الحق، والدوام على ذلك بصدق لأنّه الحق، وليس لأنه مكسبٌ أو حاجةٌ أو ضمانٌ، وهذا الإيمان بهذا النوع من الغيب يجدّد الروح، ويفعمها بالحيوية، ويملؤها بالإرادة.

ولا يظنّنّ أحدُنا أن النصر هو الغلبة والقهر والظفر، فالنصرُ معنى غيبيّ في حقيقته، وهو إسنادٌ مفتوحٌ من الله تعالى، وفرصٌ للتحرك للأمام، وتهيئةٌ لبيئة عمل أفضل، وزيادة لقدراتك، وتعظيمٌ لتأثيرك، فتنفتح لك فضاءات أكبر كلما تقدّمت بحزم وإصرار وثبات، بينما تتراجع حظوظ تقدمك إذا ضعفتَ، وانسحبتَ، واختفيت بين شقوق الظلال طلباً للسلامة الزائفة المؤقتة.
لقد ابتلانا الله بالنقص والفقد من الأنفس والأموال، والحرمان من الطعام والشراب والأمن والاستقرار، وسلّط علينا نمطاً عالياً من تتابع الهدم والقتل والدمار والصراع والكوارث والآفات والظلم والتفكك والجريمة واليأس...، أيْ أنّ هناك خسائر كبيرة في طريق البلاء، وهذه الأقدار لا تأتي مراعية لعواطف الناس وانفعالاتهم، ولا ردود أفعال (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ)، لذلك أعطى ربّنا إشارته الرحيمة: (وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)، فهؤلاء مهديّون ولن يضلّ الله ما عملوه، وسيصلون إلى أهدافهم المرادة، وسيُجزَون أيضاً جزاء رفيعاً في الجنّة التي عُرِّفت لهم.

وقد رأينا كيف نبّهنا الله إلى بلاء الناس ببعضهم في سياق انتصار الله لعباده: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبّكَ بَصِيرًا) – (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) – (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ).

وهذا يعني أنّ الله تعالى بصير بعباده وأحوالهم، ويعلم ما يصيبهم من بلاء عظيم، وأنّه اختار لهم الثبات عندما يمدّهم الله بمعيته (أَنّي معكم فَثَبّتُوا الذين آمَنُوا) و(إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)؛ فلا ينبغي أن تنتهي المعارك الاستراتيجية بالسكون والهدوء وطلب الراحة، لأنّ ما جرى تجاربُ بلاءٍ، فيجب أن تكون حافزاً للاستمرار واتصال الأعمال ومداواة الجراح واستقبال النوازل واستئناف النهوض، استناداً إلى موقف التدافع والثبات وعدم التراجع أو الانسحاب تحت ضغط البلاء، ولاسيما على الفئة التي لم تقاتل أوّل مرّة، فقد انتقل السلاح إلى كتفها.
هذه الأقدار التي كتبها الله لا تَبلَى إلا بعد يُبلَى أصحابها، وكما أمرنا أن نتقيه حق تقاته فقد أمرنا أن نـجاهــد فيه حق جـهــاده، ومن يطلب القمة والرفعة فإن الرفعة مرتبطة بالبلاء {وَرفع بَعْضكُم فَوق بعض دَرَجَات ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم}.
وأخيراً تأملوا معي يا أهل الثغر هذه الآيات بوعي المؤمن بالله الواثق به: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، وقوله تعالى: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ).

الوسوم

البلاء الجهاد الصبر النصر التدافع الإيمان بالغيب
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.