المدونات

في رحاب آيات الحج والبيت الحرام.. وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا

فريق عمران 4 يونيو 2025 4 دقائق قراءة 15 مشاهدة

وصف الله تعالى البيت الحرام بالمثابة التي يعود إليها الناس مراراً وتكراراً، والأمن حيث يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال الله تعالى:
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [سورة البقرة: 125].
يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس، والمراد به الكعبة لأنّها بيت الله عزّ وجل، وأتى هنا بـ "الـ" للتفخيم والتعظيم، يعني: البيت المعهود الذي لا يُجهل (قصص القرآن، محمد بن صالح العثيمين، ص 61).
وسمّيت الكعبة بذلك لتكعيبها، أي تربيعها ولارتفاعها ونتوئها، وارتفاع ذكرها في الدنيا واشتهار أمرها في العالم، ولذلك يقولون لمن عظم أمره: فلان علا كعبه (بيت الله الحرام الكعبة، محمد عبد الله، ص 30).

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عدة أسماء للكعبة، ومن هذه الأسماء: البيت العتيق، قال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، وسبب تسميته بالبيت العتيق قيل في عدة أسباب منها:

  • لأنَّ الله تعالى أعتقه من الجبابرة.
  • أنَّ العتيق بمعنى القديم.
  • أنّه لم يُملك قط.
  • لأنّه أُعتق من الغرق زمن الطوفان (مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، ابن الجوزي، ص 243).

وسمّيت مكة ببكة، حيث قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ...}، وسبب التسمية، ذكر العلماء أقوالاً منها:

  • لازدحام الناس عندها، والمعنى هو الزحم، إذ يُقال: بك فلان فلاناً إذا زحمه وصدمه، فهو يبكه بكاً، وسميت البقعة بفعل المزدحمين بها (زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي، 1/344).
  • لأنّها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها، فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله (تفسير ابن كثير، 2/57).
  • لأنّها تُوقع من نخوة المتجبرين، يقال: بككت الرجل أي وضعت منه، ووردت نخوته بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها (زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي، 1/343).

ومن أسمائها المسجد الحرام قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] (بيت الله الحرام الكعبة، محمد عبد الله، ص 31).
ومن أسمائها أم القرى؛ لشرفها وعلو كعبها على باقي القرى، قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]،
وقال تعالى:
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا...} [الأنعام: 92].
وسمّيت بأم القرى؛ لتقدمها على سائر القرى، وسميت بذلك لأنَّ الأرض منها دُحيت وعنها حدثت فصارت أماً لها، كحدوث الولد عن أمه.
وسمّيت كذلك بـ البلد الأمين: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (ملة أبيكم إبراهيم، المرسومي، ص 186).

{مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}: أيّ مرجعاً ومعاداً، كلما انصرفوا منه اشتاقوا إليه، فعادوا وثابوا إليه في الحج والعمرة والعبادة، فلا ينقضي منه الوطر، ولا تشبع منه النفوس، ويثوبون إليه أيضاً في الصلاة بقلوبهم، ويتوجهون إليه بأجسادهم، ويتذكرونه في كل يوم وليلة (تفسير الزهراوين البقرة وآل عمران، محمد صالح المنجد، ص 217).

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في قوله تعالى:
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}:
"تأمل كلمة البيت وكلمة مثابة، بيت مأخوذ من البيتوتة، وهو المأوى الذي تأوي إليه وتسكن فيه وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك، ولذلك سّميت الكعبة بيتاً؛ لأنّها في المكان الذي يستريح إليه كل خلق الله، ومثابة يعني مرجعاً تذهب إليه وتعود، ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت الله الحرام مرة يجب أن يرجع مرات ومرات، إذن فهو مثابة؛ لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربّه، وأتحدى أن يوجد شخص في بيت الله الحرام يشغل ذهنه غير ذكر الله وكلامه وقرآنه وصلاته" (تفسير الشعراوي، 1/575).

تنظر إلى الكعبة فيذهب كل ما في صدرك من ضيق وهم وحزن، ولا تتذكر أولادك ولا شؤون دنياك، ولو ظلت جاذبية بيت الله تعالى في قلوب الناس مستمرة؛ لتركوا كل شؤون دنياهم ليبقوا بجوار البيت، ولذلك كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حريصاً على أن يعود الناس إلى أوطانهم وأولادهم بعد انتهاء مناسك الحج مباشرة.
ومن رحمة الله سبحانه أن الدنيا تختفي من عقل الحاج وقلبه؛ لأنَّ الحجيج في بيت ربهم، وكلما كربهم شيء أو همهم شيء، توجهوا إلى ربّهم وهم في بيته، فيذهب عنهم الهمّ والكرب، ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول:
{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37]،
أفئدة وليست أجساماً، وتهوي: أي يلقون أنفسهم إلى البيت، إن من الخير أن تترك الناس يثوبون إلى بيت الله؛ ليمحو الله سبحانه ما في صدورهم من ضيق وهموم مشكلات الحياة (تفسير الشعراوي، 1/576).

{أَمْنًا}: أي جعلناه آمناً يأمن فيه الناس على دمائهم وأموالهم، ويأمن فيه حتى الصيد والأشجار أن تقطع، وهو محل آمن لمن يسكنه، وكان الرجل في الجاهلية يرى قاتل أبيه وأخيه في الحرم، فلا يتعرض له، وكانوا لا يُغيرون على مكة مع شركهم، ولأجل توفير الأمن فيه نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن حمل السلاح في مكة المكرمة فقال: "لا يُحمل فيها سلاح لقتال" (صحيح مسلم، رقم: 1374) (تفسير الزهراوين البقرة وآل عمران، محمد صالح المنجد، ص 217).

الوسوم

الحج ذي الحجة التفسير القرآن الكريم
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.