المدونات

تواضع العظماء.. تأملات في قصة موسى (عليه السلام)

فريق عمران 25 سبتمبر 2022 3 دقائق قراءة 370 مشاهدة

إن موسى -عليه السلام- ذو مكانة، ومنزلة رفيعة، ومكانة موسى - عليه السلام - ليست ادّعاء بغرور النفس، ولا مظنونة تحتمل الصواب والخطأ، ولا استنتاجاً يُصدق أو لا يصدق، بل هي مقطوع بوحي رباني صادق، لقد زكّاه ربه - تبارك وتعالى - ويكفي بذلك تزكية، وأين تأتي تزكية البشر أمام تزكية الله عزَّ وجَلَّ؟

إن موسى -عليه السلام- ذو مكانة، ومنزلة رفيعة، ومكانة موسى - عليه السلام - ليست ادّعاء بغرور النفس، ولا مظنونة تحتمل الصواب والخطأ، ولا استنتاجاً يُصدق أو لا يصدق، بل هي مقطوع بوحي رباني صادق، لقد زكّاه ربه - تبارك وتعالى - ويكفي بذلك تزكية، وأين تأتي تزكية البشر أمام تزكية الله عزَّ وجَلَّ؟

إن اختصاص الله - تبارك وتعالى - له بالنبوة كاف في تزكيته ظاهراً وباطناً، فالله هو خالق البشر، وهو - عزَّ وجَلَّ - أعلمُ به، والنبوة تقتضي القطع لصاحبها بالإخلاص وصدق التديّن والعلم والعقل والتجرد لله سبحانه، ناهيك عن الصفات البشرية، فالله سبحانه وتعالى إنما يختار لرسالته أكمل الناس طبيعة وسجيّة، وخاطبه - سبحانه وتعالى - ممتنّاً عليه بالاصطفاء قائلاً له: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾[الأعراف:١٤٤]، ومع ذلك كله يتواضع موسى - عليه السلام - مع الخضر، فيخرج إليه، ويصحبه متعلِّماً متأدِّباً. [تفسير السعدي؛ تيسر الكريم الرحمن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص٦٢٨]

ويتجلى في قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم مع التواضع الحقيقي الأدبُ النبوي لدى موسى - عليه السلام - وله شواهد عدة منها:

  •  مبادرته بسؤال الله - عزَّ وجَلَّ - عن الخضر واللقاء به فور سماعه عنه.
  • تلطفه في طلبه من الخضر ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فأخرج الكلام في صورة الملاطفة والمشاورة وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا ؟ [تفسير السعدي؛ تيسر الكريم الرحمن،ص629].
  •  جعل نفسه مقام المتعلم، والخضر مقام المعلم.
  •  تعليقه استعداده للصبر بمشيئة الله، لا بقدرته وحوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾]الكهف:٦٩[.
  • التزامه بطاعة الخضر وعدم عصيانه: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾]الكهف:٦٩[.
  •  اعتذاره عن خطئه واستعداده لتحمل تبِعته وعذره للخضر إذ قال له: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾]الكهف:٧٦[.

إن شخصية موسى - عليه السلام - تتصف بالتواضع حتى قبل النبوة، فقد وصفه الله بالإحسان ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ من مساعدة الفقراء والضعفاء والمحتاجين ودخوله في مجتمع الرعي والبسطاء بعد خروجه من قصر فرعون مهاجراً في سبيل الله تعالى، واتضحت تلك القصة مع أهل مَدْيَن ومجتمع الرعاة، وفي تعامله مع والد زوجته الرجل الصالح.

وعندما توسع علمه وأكرمه الله بالنبوة والرسالة زاد تواضعه وحرصه على التعلم ممن هو أعلم منه في بعض الأمور وعلوم الغيب التي اختص الله بها الخضر عليه السلام.

إن موسى - عليه السلام - من أولي العزم من المرسلين الذين منحهم الله العلمَ، وأعطاهم منه ما لم يُعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلّم منه، وهذا دليل على صفة التواضع في شخص موسى عليه السلام. [أخلاق الأنبياء، محمد الدرويش، ص٣٠٣].

ومن المواقف التي تتجلى فيها صفة التواضع في موسى - عليه السلام - عندما أوحى الله إليه، وأرسله إلى فرعون، سأل ربه - تبارك وتعالى - أن يعينه بأخيه هارون، وعلّل ذلك بأن هارون أفصح منه لساناً، قال عزَّ وجَلَّ: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾[القصص:٣٤].

وهذا اعتراف بالفضل لأخيه هارون، مع أنه أفضل من هارون، فهارون لم يكن نبياً بعدُ، وعندما أُوحي إليه كانَ ذلك لشدِّ عضُدِ موسى عليه السلام.

وتواضع موسى تواضعُ حقيقي، وليس ادِّعاءً أو إظهاراً لشأن في النفس، فهو هنا يخاطب ربه ومولاه عزَّ وجَلَّ العالم -سبحانه- بسريرته. [أخلاق الأنبياء، محمد الدرويش، ص٣٠٣].

ملاحظة هامة: استفاد المقال مادته من كتاب: " موسى -عليه السلام- كليم الله"، للدكتور علي محمد الصلابي، واعتمد في كثير من معلوماته على كتاب: "أخلاق الأنبياء"، للدكتور محمد بن عبد الله الدّرويش.

الوسوم

العلم العلماء قصص الأنبياء موسى عليه السلام التواضع علي الصلابي
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.