المدونات

اقتحام العقبة!

فريق عمران 8 يونيو 2025 2 دقائق قراءة 10 مشاهدة

إذا أسغب المرءُ فإنه يَدخل في حال المجاعة والتعب، ولكنه إذا كان ذا مسغبة، فإن هذه المسغبة تتلبّس به، وتحتويه، وتختصّ به، ولا تفارقه، فثمّةَ فرقٌ كبير بين المُسغِب وذي المسغبة.

والمسغبة التي تضرب أهل الثغر اليوم ليست مجرد مجاعة ترهقهم، وليست شعوراً بالجوع لقلة الطعام، وإنما هي فراغ الجوف من أيّ طعام احتياطيّ يختزنه الجسم عند الحاجة الشديدة، وافتقاد القدرة الطبيعية للجسم على الاحتمال، واضطرار الجسم لكسر جدار المناعة الطبيعيّة، وإطفاء جميع محركات الحركة، وتعطيل حسّاسات الإدراك، وفتح طريق الأمراض المترصّدة لتتموضع في الجسد اليائس المستسلم بدنيّاً ونفسيّاً.


وإذا استبدَت المسغبة في القوم دهراً فستجدهم على حالين: إمّا أيتاماً جمعهم اليُتم لكثرة ما فقدوه من أهاليهم ومُعيليهم ودمار كل مصدر ومَوْرد، فلم يعُد ثمة سبب للقرابة إلا فقدُ هذه القرابة، فيصبح الجميع أيتاماً أقربين.
أو تراهم جميعاً مساكين ذوي متربة، فهذا المسكين الذي تراه يقاتل من أجل البقاء ليس الفقير الذي لا يجد قوت يومه، وإنما هو إنسان قادر عامل، ولكنه لا يجد حيلةً للكسب، ولا فرصةً لاستثمار ما لديه، ولا مجالاً لأي نجاح، وتعاكسه ظروفه الصعبة والمستحيلة، أو حلّ الدمارُ بكل ما حوله فأنهى كل خياراته، أرأيتَ أصحاب السفينة المساكين الذين كانوا يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً؛ وهكذا ترى شعبنا من هذا النوع المسكين الذي لا حيلة لديه في إيجاد رغيف أو ماء، ولا يجد إلا التراب ليلتصق به من العجز، أو يتعفّر به من البحث المضني في التلال والمخانق والمضائق، وكأنّه يريد العودة إلى التراب الذي خلقه الله منه، فيكون ذا مَتْربة مفترشاً إياه في خيمة نزوحه، وهو على آخِر رمقٍ من حياةٍ، يواسيه أنّ الله قد يبعث له أمثال العبد الصالح الخضِر.
ولأننا في حصار أحمر مستديم يَسُوقنا فزِعين إلى أسوأ الزوايا المحطّمة الفارغة، فإن رقابنا كلها مأخوذة مأسورة مقبوضة، قد أوثقت كل رقبة منها برقبة مَن معها، يتيقّنون الموتَ القريب في خضوع واستسلام، وفي إيمان رطبٍ أيضاً، ورِضاً ناعم ألقاه الله في رُوعهم.

هنا يأتيك أمر الله، ليس أن تَبْلغ العقبة وتنظر إليها أو ماوراءها، بل أن تقتحم هذه العقبةَ بالإنفاق والإطعام والنجدة، والاقتحام فعلٌ حربيّ شديدٌ هنا يجب أن تقاتل فيه، وأن تصرّ عليه، وألّا تدع قانوناً ولا إجراء ولا حساباً يمنعك من تجاوزه.

وأن تقتحم هذه العقبة العسيرة بفكّ الرقاب، وتخليصها، وانتزاعها من الأسر والقبض والحصار، بكل فعلٍ فائقٍ تستطيعه يدك أو لسانك أو عقلُك أو قلبُك بكل جرأة وإقبال وقناعة.
هذه العقبة ليست أي عقبة، وما أدراك ما العقبة! فلا يقتحمها بإذن الله وإرشاده إلا مَن استبان له نَجْد النجاة من أصحاب الميمنة المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة.

الوسوم

أزمات الأمة الأمة الإسلامية القرآن الكريم أزمة الفاعلية طوفان الأقصى الجوع
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.