المدونات

أبو بكر الصديق الصحابي العالم والفقيه

فريق عمران 23 يناير 2024 4 دقائق قراءة 15 مشاهدة

العلم هو سراج يخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهداية ومن الحيرة إلى الرشد وهو أنواع منوعة، وأشرف العلم ما تعلق بمعرفة الله عزوجل وأسمائه وصفاته، فذلك يثمر في القلب من معاني الحب والإنابة والتضرع والتوكل والخوف والرجاء ما يسر النفوس ويطمئن القلوب ويقوم السلوك ما يجعل المسلم راضيا مطمئنا فرحا بما يسره شاكرا لنعم الله صابراً على ما يصيبه من البلايا والرزيا محتسبا أجره على الله.

تربّى الصِّدِّيق على يدي رسول الله ﷺ، وحفظ كتاب الله تعالى، وعمل به في حياته، وتأمَّل فيه كثيراً، كما أن التربية النبوية على مكارم الأخلاق وملازمة الصديق للنبي ﷺجعلت منه عالما حقيقيا.

فقد كان الصِّدِّيق من أعلم الناس بالله، وأخوفهم له،(السيوطي، 1997، ص59) وقد اتَّفق أهل السُّنَّة على أنَّ أبا بكرٍ أعلم الأُمَّة، وحكى الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ،(ابن تيمية،1997،ج13، ص127) وسبب تقدُّمه على كلِّ الصَّحابة في العلم، والفضل ملازمتُه للنبيِّ ﷺ، فقد كان أدوم اجتماعاً به ليلاً ونهاراً، وسفراً وحضراً، وكان يسمر عند النبيِّ ﷺبعد العشاء، يتحدَّث معه في أمور المسلمين، دون غيره من الصحابة، وكان إذا استشار أصحابه أوَّل من يتكلَّم أبو بكرٍ في الشورى، وربَّما تكلَّم غيره، وربَّما لم يتكلَّم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره؛ اتَّبع رأيه دون رأي من يخالفه،(مال الله، 1989،ص 335) وقد استعمله النبيُّ ﷺعلى أوَّل حجَّةٍ حُجَّت من مدينة النبيِّ ﷺ، وعلمُ المناسك أدقُّ ما في العبادات، ولولا سعة علمه؛ لم يستعمله، وكذلك الصَّلاة استخلف عليها، ولولا علمه لم يستخلف، ولم يستخلف غيره لا في حجٍّ ولا في صلاةٍ، وكتاب الصَّدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكرٍ، وهو أصحُّ ما روى فيها، وعليه اعتمد الفقهاء، وغيرهم، في كتابه ما هو متقدِّم منسوخٌ، فدلَّ على أنَّه أعلم بالسُّنَّة النَّاسخة، ولم يُحفظ له قولٌ يخالف فيه نصّاً، وهذا يدلُّ على غاية البراعة، والعلم.
وفي الجملة لا يُعْرَف لأبي بكرٍ مسألةٌ في الشَّريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائلُ كثيرةٌ.(بن قاسم، 1996، ص60)
وكان رضي الله عنه يقضي، ويفتي، بحضرة النبيِّ ﷺ، ويقرُّه، ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وقد بيَّنت ذلك في سلب أبي قتادة بحنين.(بن قاسم، 1996، ص59)

وقد ظهر فضل علمه، وتقدُّمه على غيره بعد وفاة الرَّسول ﷺ، فإن الأُمَّة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصَّلها هو بعلمٍ يبيِّنه لهم، وحجَّةٍ يذكرها لهم من الكتاب والسُّنَّة، وذلك لكمال علم الصِّدِّيق، وعدله، ومعرفته بالأدلَّة التي تزيل النِّزاع، وكان إذا أمرهم؛ أطاعوه. 

كما بيَّن لهم موتَ النبيِّ ﷺ، وتثبيتهم على الإيمان، ثمَّ بيَّن لهم موضع دفنه، وبين لهم ميراثه، وبين لهم قتال مانعي الزَّكاة لما استراب فيه عمر، وبين لهم: أنَّ الخلافة في قريش، وتجهيز جيش أسامة، وبيَّن لهم: أن عبداً خيَّره الله بين الدُّنيا والآخرة، هو رسول الله ﷺ(بن قاسم، 1996، ص59).
ولقد رأى رسول الله ﷺله رؤيا تدلُّ على علمه، فعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: « رأيت كأني أعطيت عُسّاً مملوء لبناً، فشربت منه حتى تملأتُ، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد، واللَّحم، ففضلت منها فضلةٌ، فأعطيتها أبا بكرٍ». قالوا: يا رسول الله، هذا علمٌ أعطاك الله حتى إذا تملأت منه، فضلت فضلةٌ، فأعطيتها أبا بكر، فقال ﷺ: « قد أصبتم»(عاشور، الكومي،1994،ص 155).
وكان الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ يرى: أنَّ الرؤيا حقٌّ، وكان يجيد تأويلها، وكان يقول إذا أصبح: من رأى رؤيا صالحةً فليحدِّثنا بها، وكان يقول: لأن يرى رجلٌ مسلمٌ مُسْبِغُ الوضوء رؤيا صالحةً أحبُّ إليَّ من كذا، وكذا. وممّا عبره ﷺمن الرُّؤى ما يلي: عن ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: أنَّ رجلاً أتى رسول الله، فقال: إنِّي رأيت الليلة في المنام ظلَّةً تنطف السَّمن، والعسل، فأرى الناس يكفون منها، فالمستكثر، والمستقِلُّ، وإذا سببٌ واصلٌ من الأرض إلى السَّماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثمَّ أخذ به رجلٌ اخر فانقطع، ثمَّ وُصِلَ. فقال أبو بكرٍ: يراسل الله! بأبي أنت، والله لَتَدَعَنِّي فأَعْبُرَهما، فقال النبيُّ ﷺ: «اعبُرها» قال: أمّا الظُّلَّة فالإسلام، وأمّا الذي ينطف من العسل، والسَّمن فالقران، حلاوته تنطف، فالمستكثر من القران، والمستقلُّ، وأمّا السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحقُّ الذي أنت عليه، تأخذ به، فيُعليك الله، ثمَّ يأخذ به رجل اخر فيعلو به، ثم يأخذ رجل اخر فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله! بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبيُّ ﷺ: «أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً» . قال: فوالله لَتُحَدِّثَنِّي بالذي أخطأت . قال: «لا تُقسم».(السيوطي،1997، ص129)
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أنَّها رأت كأنَّه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكرٍ ـ وكان مِنْ أعبر النَّاس ـ فقال: إن صدقت رؤياك لَيُدْفَنَنَّ في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثةٌ. فلمّا قبض النبيُّ ﷺقال: « يا عائشة هذا خيرُ أقمارك ». فقد كان الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ أَعْبَرَ هذه الأمَّة بعد نبيِّها.(السيوطي،1997، ص130)
ومع كونه ـ رضي الله عنه ـ من أعلم الصَّحابة إلا أنَّه من أبعد الناس عن التكلُّف. فعن إبراهيم النَّخَعي قال: قرأ أبو بكرٍ الصِّدِّيق {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *}[عبس: 31] فقيل: ما الأبُّ؟ فقيل: كذا، وكذا، فقال أبو بكرٍ: إنَّ هذا لهو التكلُّف، أيُّ أرضٍ تقلُّني، وأي سماءٍ تُظلُّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟!    

الوسوم

الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة أبو بكر رضي الله عنه علي الصلابي
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.